روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
364
عرائس البيان في حقائق القرآن
فليس ذلك له ، إنما ذلك للّه وإن كان هو متمتعا بها ، وأيضا : ليس كل عمل للإنسان ؛ إنما بعضها للّه مثل الصوم ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « الصوم لي وأنا أجزي به » « 1 » ، فذلك للّه لا للإنسان ، وثوابه فضل اللّه ، وذلك رؤيته ، وهي قائمة بذاته ، وعند ذلك لا يبقى قدر سعايات أهل الكون ، وتصديق ذلك قوله : وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى أي : سوف يعرف أن سعيه في جلال عزته ، وما اختار له في الأزل من كشف جماله ليس بشيء ؛ لأن الحادث لا وزن له عند القديم ، ثم زاد فضله بأن يؤتيه فوق ما كان في سعيه بقوله : ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى ، فلما خرج من هذه العلل وعن الأعمال والثواب والدرجات يتباهى الكل عند بروز أنوار وجوده وجلاله بقوله : وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ، ثم وصف نفسه بأنه أضحك وأبكى بطلوع صبح جماله العاشقين ، وأبكى بظهور شمس ذاته العارفين ، يبكون عليه منه بفقدان الكل ؛ لأنهم يعرفونه بامتناعه عن إدراكهم وعن تقصيرهم أيضا في طلب معرفتهم بربهم وقلة معرفتهم بوجود ربهم ، وذلك عند كشف المعاينة ، أضحك المستأنسين بنرجس مودته وياسمين قربته وطيب شمال جماله ، وأبكى المشتاقين بظهور عظمته وجلاله ، وأمات العارفين بنعت الفناء في سطوات ديموميته وظهور صدمات أنوار ذاته ، وأحيى العاشقين بكشف صفاته ، فالأولون فنوا فيه ، والآخرون بقوا به ، وأيضا أمات المريدين بالحجاب ، وأحيى المحبين بكشف النقاب . قال ابن عطاء في قوله : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى : ليس له من سعيه إلا ما نواه ، إن كان سعيه لرضا الرحمن فإن اللّه يرزقه الرضوان ، وإن كان سعيه للثواب والعطاء والأعواض فله ذلك . وقال النصرآبادي : سعي الإنسان في طريق السلوك لا في طريق التحقيق ، فإذا تحقق يسعى به ولا يسعى هو بنفسه ، وأنشد : الطرق شتّى وطرق الحق منفرد * والسالكون طريق الحقّ أفراد وقال الوراق : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ذلك في بدايتهم ، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى في توسط أمورهم ، ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى ، وذلك في نهايتهم ، وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ، وذلك عند فناء العبد من إرادته وصفاته ، وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى النشء الثاني . وقال الواسطي في قوله : وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى : أنه لم يكن مما يستجلب به شيء
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 6 / 2723 ) ، ومسلم ( 2 / 807 ) .